استقصاء بالوضع ، الأنا و الغير
دافع عن هذه الأطروحة ، يقول جان بول سارتر:" إن اللآخر ليس شرطا لوجودي فقط ، بل هو شرط المعرفة التي أكونها عن نفسي".
المقدمة :
إذا كان كل واحد منا كإنسان عاقل وواع بوجوده يدرك تمام الإدراك أنه يملك جسما يختلف عن أجسام غيره من البشر و يشبهها أيضا ، كما يملك نفسا تختلف عن نفوس الآخرين و تتميز عنها ،و لكنها تشبهها في نفس الوقت باعتبار أن النفس الإنسانية من طبيعة واحدة.ومن الموضوعات التي أثارت انتباه الفلاسفة طبيعة النفس الإنسانية ، ولكننا لسنا هنا بصدد طبيعة النفس، بقدر ما نحن بصدد كيف ندرك نفوسنا؟ فإذا كان البعض يربط إدراك النفس بالوعي و أن النفس الإنسانية من طبيعتها أنها تدرك ذاتها حتى في ظل عدم وجود الآخر، إلا أن البعض يربط إدراك الذات لذاتها بوجود الآخر. فكيف يمكننا الدفاع عن التصور القائل: إن الآخر شرط لأن تدرك الذات الإنسانية ذاتها؟
العرض :
ا ـ عرض منطق الأطروحة : أنصار الأطروحة ينطلقون من فكرة أن الآخر ، وهو " الأنا" الذي يشبهني و يختلف عني في نفس الوقت ، شرط لكي تعرف ذاتي ذاتها، و يرفضون فكرة أن الوعي الفردي كاف لأن تعرف الذات ذاتها ، فلا بد من وجود الآخر ليتولد الوعي بالذات.
من الذين دافعوا عن هذا التصور الفيلسوف الفرنسي الوجودي الملحد " سارتر"،و هو من الفلاسفة الوجودية في القرن العشرين .
ب ـ تدعيم الأطروحة بحجج شخصية: إن الوعي أو الشعور و إن كان يمثل الأساس في الحياة النفسية إلا أن هناك جانب من الحياة النفسية يطلق عليه العلماء اسم اللاشعور ، و إن كان سارتر لا يعترف باللاشعور، فالذات لا تدرك لا شعورها ولهذا لابد من وجود الغير ليطلعها عليه.
من الذين اعطوا أهمية للغير في مساعدة الذات لإدراك نفسها صاحب المنطق الجدلي ، فيرى أن كل فكرة تحمل نقيضها، أي أن وجود الآخر ضروري لوجود الوعي بالذات، ولا يكون " الأنا" دون وجود علاقة مع الغير. فالعلاقة التي تربط " الأنا" بالآخر هي علاقة تناقض و صراع ، فالذات تتعرف على نفسها من خلال علاقة التناقض و الصراع هذه، وكل واحد منهما يدرك أناه، و يدرك الآخر من خلال هذا التناقض و الصراع من أجل الحياة و الموت.
وحسب علماء النفس فإن الذات كصورة مستقلة تتكون في ذهن صاحبها بالتدريج و ما يساعد على هذا التكون هو التعامل مع الآخر في الأسرة، ومما يساعد على ذلك نذكر:
شعور الطفل بملكيته ، فعندما يشعر الطفل بما يملك من ألعاب ، وما يخصه من أم و أب ...إلخ.كل ذلك يجعله يشعر بشخصيته.
اسم الطفل الخاص به يساعده على التمييز بين نفسه و الآخرين.
الطفل يدرك أنا " الغير" قبل أن يدرك " أناه" ذاته.
-المقاومة المادية تساعد على إدراك الأنا الجسماني ، و المقامة الاجتماعية تساعد على إدراك الأنا المعنوي.
-ج ـ عرض منطق الخصوم ونقده :
-إن خصوم هذه الأطروحة وهم اصحاب الاتجاه الحدسي الاستبطاني يقرون بفكرة أن الوعي كاف لأن تطلع الذات على نفسها و أن الآخرليس شرطا لأعرف ذاتي، فكل واحد منا يطلع على ذاته عن طريق الاستبطان.
-معنى الاستبطان: هو أن تتأمل الذات نفسها ، و تصف ما يجري بداخلها ،و أنها هي المؤهل الوحيد لإخراج ما يجري في باطنه فبفضل الوعي يدرك المرء خبايا نفسه و ما تحمله من أسرار و بفضل هذا الوعي يدرك أن ذاته مستقلة عن ذواتها الآخرين.
-وما يعترض على هذا التفسير الذي يحصر معرفة الذات في الوعي انه يوقعنا في الذاتية، لنفرض مثلا أنك تحمل فكرة خاطئة وهما و تصدقها أليس الآخر هو الذي يطلعك على جهلك و بفضله تدرك خطأك.
- ثم أن الاستبطان القائم على الوعي ،و الداعي بانه كاف لأن تدرك الذات ذاتها اعتمده علماء النفس في بداية تشكل مناهج علم النفس ، لكنه تعرض لانتقادات منها ان - حسب الاتجاه الوضعي- غير ممكن لأن الذات واحدة ولا يمكن أن تشاهد ذاتها بذاتها ،و لأن الشعور أو المعرفة يفترض وجود العارف وموضوع المعرفة ، ولكن في الاستبطان يتحد موضوع المعرفة مع الذات العارفة. مثال: إذا توهمنا أننا قمنا بالعمل الفلاني ، يمكن أن نسأل غيرنا ، فيصحح اعتقادنا ، ويبين لنا أننا لم نقم بذاك العمل فنقول أنه مجرد وهم .هذا إذا تعلق الأمر بالعالم الخارجي، أما إذا تعلق الأمر بعالمنا الداخلي ، الذي لا يطلع عليه أحد، وتوهمنا شيئا ما في داخل ذواتنا فمن يصحح لنا هذا الوهم؟ ولهذا لاستبطان يمكن ان يوهمنا و يضللنا.
- الخاتمة :
- تاسيسا على ما سبق نستنتج أن الغير ضروري لأن تعرف الذات نفسها ، باعتبار ان الإنسان اجتماعي بطبعه، فالغير هو الذي يكشف لنا عن أوهامنا و افكارنا الخاطئة عن انفسنا.
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق